الأقصى وحرب المفردات

السبت 20/06/2015
الكاتب: saher saher
  • انشر المقالة

بقلم: المحامي خالد رمضان زبارقة

عقدت لجنة الداخلية في الكنيست الإسرائيلي يوم الثلاثاء 16/6/2015  جلسة تحت عنوان “حرية العبادة لليهود في – جبل الهيكل – المسمّى التهويدي للمسجد الأقصى – ” وذلك بناءً على طلب عضوين من حزب البيت اليهودي ومن المعسكر الصهيوني.

إنّ من الملفت للانتباه في مثل هذه الجلسة التركيز على تسمية المكان ” جبل الهيكل ” وليس المسجد الاقصى. وكذلك المطالبة بحق “الصلاة لليهود” وتغليف هذا الخطاب الديني التلمودي الاحتلالي بخطاب حقوقي، باعتباره من حقوق الإنسان الاساسية في المكان الأكثر قداسة ” لليهود ” في العالم.

ثمّ عرج المتحدثون على موضوع السيادة  -” سيادة اسرائيل “- باعتبارها صاحبة الحق التاريخي الذي انتظره “الشعب اليهودي ” في كل العالم، لا باعتبارها قوة احتلال.

وكذلك أيضاً ركزّ المتحدثون على نزع الحصرية الإسلامية للمكان من مسجد مقدّس للمسلمين وحدهم إلى المطالبة بحرية العبادة لكل الأديان. هذا يعني أننا أمام محاولات إحتلالية مستميتة لتغيير المفاهيم  ونسبة المكان الى اليهود و”تخليصه ” من الصفة الحصرية الإسلامية.

وتخلل ذلك وصف للمرابطين والمرابطات بأنّهم مشاغبين يمنعون “المصلين اليهود” من الصلاة في المكان الأكثر قداسة “لهم”. وطالبوا بوجوب محاسبة الشرطة على تقصيرها في منع أعمال “الشغب” التي يقوم بها المرابطون والمرابطات في المسجد الاقصى، وحماية “المصلين اليهود” منهم، وإفساح المجال لهم لممارسة ” حقهم في العبادة ” المسلوب منهم.

ورافق ذلك أيضاً حديث عن تغيير الوضع القائم في المسجد الاقصى باعتبار هذا المصطلح هو السائد والمطبق بحسب العرف القانوني الدولي في المسجد الاقصى.

وكانت هناك محاولات لإيجاد تفسير آخر للوضع القائم في المسجد الاقصى، من خلال اعتبار اقتحام اليهود للمسجد من جهة باب المغاربة جزءاً من الوضع القائم.

هكذا يحاول الاحتلال الاسرائيلي تصوير الواقع في المسجد الاقصى. وعلى الرغم من أنّ الجلسة انفجرت وتفرقت ولم تستمر،  الا أنّنا نعتقد انّها تحمل مخاطر كبيرة  تتجسد أولاً وقبل كل شيء بتجرؤ الاحتلال على طرح موضوع “حق اليهود في الصلاة في المسجد الاقصى”  بهذه الصورة ومن خلال الكنيست الاسرائيلي.

 وهنا لا بد لنا من توضيح عدّة نقاط:

أولاً: يهدف الاحتلال الاسرائيلي من خلال اثارة مثل هذه النقاشات على مستوى الكنيست ولجانها المختلفة الى خلق حالة تفاعل داخل المجتمع الاسرائيلي وخارجه وعلى المستوى العالمي، بهدف خلق أجواء تطالب  “بحقوق الانسان” وعلى رأسها حق اليهود في العبادة. وهذه ليست إلا محاولة لتثبيت  مثل هذه المصطلحات في الذهن العام من خلال دمجها بمفردات لطيفة  كمفردات حقوق الانسان.

ثانياً: إثارة هذا الموضوع في مثل هذا التوقيت يهدف الى تصعيد الخطاب الاعلامي من اجل حشد رأي عام داعم لفكره صلاة اليهود في المسجد الاقصى المبارك، وتوليد حالة نقاش عام تتسلل من خلالها هذه المفاهيم الى الذهن العام.

ثالثاً : جسّ نبض الشارع العربي والاسلامي لهذا الفكرة ودراسة ردة فعله.

رابعاً: وجود شرطة الاحتلال في الجلسة وتصويرها ” كمتهمة” في عدم حفظ الامن هو من أجل ذر الرماد في العيون وكأنها  مقصرة في واجبها، وكأنها تقف ضد اليهود في الاقصى، وهذا يأتي في سياق التغطية على جرائم الشرطة التي تقترفها ليل نهار في المسجد الاقصى والمتمثلة  في الاعتداء الجسدي واللفظي السافر على المسلمين والمسلمات، بهدف تهدئة الشارع الفلسطيني الذي يسمع ليل نهار الاعتداءات بحق مقدساته وأقصاه.

وعلى الرغم من أنّ هذه الجلسة توقفت بعد حالة الفوضى التي سادتها نتيجةً لردة فعل اعضاء الكنيست العرب، الا أنّها تشكل حلقة من سلسلة حلقات ستتبعها.

إننا اليوم أمام حركات بهلوانية غير مسبوقة في خداع وتضليل الرأي العام، أبطالها اعضاء الكنيست الاسرائيلي ووزراءه والجمعيات اليهودية ” المتطرفة ” التي تقوم بدورها الوظيفي وتتبادل الأدوار  المتفق عليه مع حكومة الاحتلال، وسيساهم فيها ايضاً رجالات الصهيونية العربية المنزرعين في طول الوطن العربي وعرضه.

كل ذلك يحدث أمام حالة العجز العربية والفلسطينية الرسمية ، وأمام حالة تغريب قضية القدس والاقصى عن الذهن العام، دون اظهار الاسباب الحقيقية وراء هذا الموقف الهزيل،  كالمناهج الدراسية والاعلام الرسمي ودور الجامعات. فجميع هذه الجهات ممنوعة من تناول هذه القضية بأبعادها الدينية الاسلامية، حيث اصبحت  إمكانيات الأمة عاجزة بالفعل على مواجه هذا الاحتلال ورواياته.

نحن اليوم أمام مرحلة تتسم بالتعقيدات الكثيرة، ولذلك يجب الحذر والانتباه بدرجة عالية، حيث أنّ عنوان المشروع الصهيوني والمشروع الصليبي هو القدس والاقصى، فالصمت في هذه المرحلة يعدّ جريمة سيحاسب عليها التاريخ.