حُمّى بناء الهيكل وخرابيش المهندس

الثلاثاء 15/09/2015
الكاتب: saher saher
  • انشر المقالة
الشيخ كمال خطيب – نائب رئيس الحركة الاسلامية في الداخل الفلسطيني

 

لا، لن يكون لكم هيكل: 

منذ عشرين سنة؛ وتحديدًا يوم 1996/10/8 أطلقت الحركة الإسلامية صرختها “الأقصى في خطر”، في محاولة منا لإيقاظ شعبنا وأمتنا من غفلتها عن حقيقة ما يجري في المسجد الأقصى المبارك. كان المهرجان الأول يومها بالنسبة للكثيرين مجرد تهييج إعلامي، فتعاملوا معه كأنه صرخة في واد أو نفخة في رماد. ولقد سبق ذلك المهرجان كَشْفُنَا عن وجود أعمال حفر لأنفاق تحت المسجد الأقصى المبارك. ولطالما كذبت المؤسسة الإسرائيلية هذا، غير أن إقدام “نتنياهو”، رئيس الحكومة الإسرائيلي، في أول حكومة له على افتتاح نفق تحت المسجد الأقصى، أطلقوا عليه زورا اسم نفق “الحشمونائيم” في أيلول 1996 قد جلَّى الحقيقة وكشف المستور وبين حقيقة ما قلناهُ، حيث اندلعت ما سُمِّيت بانتفاضة النفق التي استشهد فيها قريبًا من سبعين شهيدا من أهلنا في القدس والضفة الغربية. ثم جاءت مفاوضات كامب ديفيد والواي بلانتيشين بين الحكومة الإسرائيلية وبين سلطة رام الله برئاسة المرحوم ياسر عرفات يومها، ومطالبة الإسرائيليين بأن يكون ما تحت الأرض في المسجد الأقصى لهم، وأن يكون ما فوق الأرض للمسلمين. صحيح أن الرفض كان هو الموقف الفلسطيني، لكن مجرد القبول بالتفاوض على هذا العرض الخبيث كان يمثل نقطة ضعفٍ فلسطينية ظهرت نتائجها لاحقًا، وفيما يحدث اليوم في حق المسجد الأقصى.

قبل عشرين سنة، إذن، افتتح “نتنياهو” نفقا تحت الأرض في حكومته الأولى. وها هو نتنياهو اليوم، وفي حكومته الرابعة وعبر وزراء حكومته وتحديدًا وزير الأمن الداخلي “غلعاد أردان”، يأمر بتكثيف الحضور الأمني في الأقصى لفرض واقع جديد وعدم القبول بما كان؛ أي اعتراض اليهود وعدم السماح لهم بالصلاة في الحرم القدسي الشريف مهما كلف الثمن.

إن ما شهده المسجد الأقصى المبارك في الأسبوعين الأخيرين؛ من منع دخول النساء خلال فترة زمنية محددة هي من السابعة والنصف صباحًا حتى الساعة الحادية عشرة، وإلزام الرجال بتسليم بطاقاتهم الشخصية، وما صاحب ذلك من اعتقال للحراس موظفي دائرة الأوقاف الأردنية، وإلزامهم بعدم الاقتراب من جماعات الاقتحام اليهودية مسافة 15 مترا، ثم ما قرره أمس الأول وزير “الأمن” يعالون، بحظر ما سماه (تنظيم المرابطين والمرابطات) في الأقصى؛ ما هو إلا اعتداء احتلالي إسرائيلي مرفوض. وكل ذلك يشير إلى حقيقة ما سيكون في المسجد الأقصى خلال موسم الاقتحامات القريب، والذي سيبدأ بعد غد الأحد 2015/9/13 فيما يُسمى رأس السنة العبرية، ثم عيد الغفران، الذي سيكون يوم 9/23، وأسبوع ما يُسمى عيد العُرش بدءًا من 9/28 وحتى 10/5، حيث أعلنت قائمة الاقتحامات هذه منذ أسابيع عديدة.

ها نحن نلتقي عصر اليوم الجمعة 9/11 في المهرجان المهيب “الأقصى في خطر”، في نسخته العشرين، حيث سيلتقي عشرات آلاف أبناء الداخل الفلسطيني في مدينة أم الفحم، في تأكيد أن الأقصى لن يبقى وحيدًا، وأنه في العيون، نفنى ولا يهون. وإذا كان الأقصى قبل عشرين سنة في خطر، فإنه اليوم على أخطارٍ كثيرة وعظيمة.

وإنني أوجهها رسالة واضحة صريحة إلى المؤسسة الإسرائيلية بكافة أذرعها؛ السياسية والأمنية والدينية والقضائية، ومع علمي ويقيني بأن غرور القوة أعمى بصائرهم وأصمَّ آذانهم عن سماع المنطق والحقيقة.

يا هؤلاء! وأنتم تنتهزون فرصة وظرف الوهن العربي، بل والتمزق غير المسبوق؛ وأنتم تنعمون بوجود سلطة فلسطينية تنسق معكم أمنيًا، بل إنها عصاكم الثقيلة وعينكم المراقبة لأنفاس الشعب الفلسطيني، وخلال هذا وأنتم مصابون بحمى وهوس بناء الهيكل، وتُمعنون في استهدافكم للمسجد الأقصى المبارك سعيًا لتقسيمه زمانيًا ومكانيًا، وصولًا إلى هدمه وبناء هيكلكم الثالث على أنقاضه فإنني أقول لكم: لو قسمتم، لو هدمتم الأقصى، لو بنيتم الهيكل، لو أهلكتم كل أهل القدس، لو قتلتم كل أهل الداخل الفلسطيني، لو أبدتُم كل الشعب الفلسطيني، ألا تعلمون أن هناك 400 مليون عربي، الأقصى بالنسبة إليهم هو قبلتهم الأولى؟ ألا تعلمون أن 1600 مليون مسلم الأقصى بالنسبة إليهم هو عقيدة، وهو مسرى نبيهم صلى الله عليه وسلم. إنه الصراع الديني الذي ستكونون أنتم الطرف الخاسر فيه؟

أبعِدوا من شئتم، اعتقلوا، اضربوا، اقتلوا بالكم والكيف الذي تريدون، اركضوا خلف وهْم وسراب نبوءاتكم، صدقوا خزعبلات حاخاماتكم ومراهقي السياسة من قادة أحزابكم، ولو ساندكم كل العالم الغربي المنافق، ولو صمت عنكم كل أصحاب الجلالة والفخامة العرب، فسيظل هو المسجد الأقصى، ولن يكون لكم هيكلٌ!!!

خرابيش مهندس: 

من عادة المهندس الذي يسعى لتخطيط بيت أن يرسم صورة ذلك البيت في ذهنه، وفق تصور مطلب صاحب البيت، ثم يبدأ بعد اختمار الفكرة برسم تشبيهي لذلك البيت بقلم الرصاص، يزيد هنا وينقص هناك، ليظهر ذلك البيت كأنه خرابيش تشير إلى ملامح بيت، ولا يلبث أن يمزق تلك الورقة، ثم يرسم من جديد على ورقة جديدة بإضافات أو بتغيير، مستفيدًا من تجربة غيره، أو من ملاحظات صاحب البيت نفسه، وهكذا يمضي المهندس في خرابيشه حتى يصل إلى الرسم النهائي المكتمل الجميل، به يلبي طلبات صاحب البيت ومواصفاته، وبه يشبع طموحه العلمي ورغبته في الإبداع.

صحيح أن الخرابيش هي مقدمة بناء البيت، ولكنها لا تظل كذلك حتى النهاية. لكن إن هذا يصلح وينطبق على كل المهندسين، إلا على مهندس “أوسلو” السيد محمود عباس (أبو مازن) ، فها هو ومنذ 24 سنة يخربش ولا يزال.
قبل “أوسلو” 1993 بعامين وأبو مازن في النرويج يخربش ويرسم -سرا- مع شركائه الإسرائيليين، لتخرج بعد ذلك خارطة “أوسلو”، التي طالما اعتز بأنه مهندسها، والتي وفق خطوطها الواضحة فإنها ستقود إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 بعد خمس سنوات من بداية تطبيق خارطة أوسلو غزة أريحا أولًا، والقدس والدولة المستقلة أخيرًا .

ها هي أربع وعشرون سنة تمر ولا يزال أبو مازن يخربش، ولا يزال مهندس “أوسلو” يعدل ويغير ويحذف وفق طلبات الإسرائيلي، وليس وفق رغبات وأمنيات صاحب البيت الفلسطيني.

كانت مفاوضات “أوسلو”، وبعدها كانت “كامب ديفيد” وبعدها كانت “الواي بلانتيشن”، وبعدها مفاوضات طابا ومفاوضات عمان وباريس ولندن. هذا ما أُعلن عنه، والمخفي في غربي القدس أعظم. ولقد عقد المجلس الوطني الفلسطيني عام 1996 في غزة خلال قيادة عرفات، لكن المهندس كان أبو مازن، وجاء الاعتراف بإسرائيل وإلغاء حالة العداء. وانفردت “فتح” بالحكم ، فكر المهندس أن يقيم انتخابات في شباط 2006 لتصبح خارطته معترفا بها دوليًا وهو يمني نفسه بالفوز الساحق. فلما اختار الشعب الفلسطيني في تلك الانتخابات حركة “حماس” بنسبة 67.5%، وإذا بالمهندس يمزق تلك الخارطة ويبدأ بخرابيش جديدة، في محاولة انقلاب على حكومة إسماعيل هنية مطلع 2007، لولا أن الطرف الآخر سبقه ومزق له خرابيشه التي خربشها بالتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي، ليبدأ من يومها مشوار غزة مع الحصار والجوع والآلام. وكانت اتفاقيتا مكة الأولى والثانية أقرب ما تكون إلى خارطة البيت الفلسطيني الجميل الذي يُراد بناؤه بما اتفقت عليه “حماس” و”فتح” في مكة المكرمة، لكن المهندس سرعان ما كان يعود ليمزق هذه الخارطة ويبدأ بالخربشات من جديد. وخلال هذا كان المهندس لا يكف عن الخربشات غير العادية حينما جعل التنسيق الأمني مع الاحتلال من أهم ملامح خارطة البيت الفلسطيني.

ولأن المهندس الكبير دائمًا يستعين بمتدربين ومهندسين مساعدين، فلقد كان من أشهر مساعدي المهندس أبي مازن في الخربشة محمد دحلان وياسر عبد ربه وصائب عريقات وغيرهم. ولما أن كانت خرابيش هؤلاء تتقدم على خرابيشه في شناعة وبشاعة صورة البيت الأخيرة، ولأنهم كانوا يظهرون إبداعات تفوق إبداعاته في الخربشة فإنه كان يعاجلهم بخربشة لكنها لم تكن بقلم رصاص وإنما بقلم أحمر يشطب كل خربشاتهم، بل ويشطبهم هم فتكون عمليات الإقالة والطرد وكشف المستور؛ كما حصل مع دحلان وعبد ربه وسلام فياض وغيرهم، ليس لأنهم يخربشون؛ ولكن خشية أن يظهروا أنهم أكثر منه إبداعًا في الخربشة فيستبدلونه بهم أو بأحدهم.

وها هو المهندس، وبعد إذ مزق وألقى في سلة المهملات كثيرًا من خرابيشه، ورغم أنها كانت تُفرض على صاحب البيت (الشعب الفلسطيني)؛ إلا أن إملاءات الطرف الإسرائيلي ورغباته في مزيد من الحذف والتغيير جعلت كل الخرابيش لم ترتق إلى أن تكون صورة أقرب إلى منطق أن هذا بيت وأن هذه “دولة”!!!

وها نحن نسمع عن تجدد الخربشات من المهندس عبر الدعوة إلى عقد المؤتمر الوطني الفلسطيني في 14-15/9 رغم أن كل الفصائل الفلسطينية ترفض هذه الخربشة من العيار الثقيل، ولا تصدق ما يشيعه المهندس من أنه يريد الاستقالة واعتزال الخربشة، لأنها تعلم أن الفِطام عن إدمان الخربشة شبه مستحيل.

إن كل المراقبين على ثقة ويقين أن الدعوة إلى عقد المجلس الوطني الفلسطيني بهذه السرعة، ودون تنفيذ ما اتفق عليه في جلسات الحوار، لجعل تمثيل مناسب لحركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في المجلس الوطني، وأن يكون المجلس الوطني هو المرجعية وليس منظمة التحرير ولا اللجنة المركزية ولا السلطة، تشير إلى أن مولودًا مشوهًا وخارطة هي غاية في الخربشة وقرارات صادمة ستخرج عن هذا المؤتمر.

فيا حضرة المهندس أبا مازن؛ أظن أن 24 سنة كلها خربشات كانت كافية لإشباع هواياتك في الخربشة. أظن أن 24 سنة ليس فقط أن الدولة الفلسطينية لم تقم خلالها على حدود 67، بل إن مزيدًا من الأراضي التي كانت الدولة ستقوم عليها قد صودرت وبنيت مستوطنات عليها. وأظن يا حضرة المهندس أن الشرخ الخطير الذي أصاب الشعب الفلسطيني بسبب خربشاتك في حاجة إلى وقفة كل شعبنا الفلسطيني لرأبه.

وأظن يا حضرة المهندس أن تلويحك بالاستقالة مرات ومرات ليس حقيقيًا ولا صادقًا، لأن الأمر ليس بيدك سيادة الرئيس. لو أن زعيمًا قضى 24 سنة في تحقيق إنجازات سيادية وسياسية واقتصادية لشعبه وارتفع به إلى مصاف الشعوب لاكتفى بذلك، ولقدم من أبناء شعبه من يكمل المشوار. فما بالك وأنت لم تنجز إلا مزيدًا من الخربشات، مصرّا على البقاء واستمرار اغتصاب إرادة الشعب الفلسطيني؟

حضرة المهندس.. لقد ماتت “أوسلو” وشُيعت إلى مزابل التاريخ عن عمر يناهز 22 سنة. وها أنت قد بلغت الثمانين، فاعلم أن استمرار مأساة شعبنا الفلسطيني، وأن ما حصل في القدس، وما يتهدد الأقصى هو من آثار ونتائج وحصاد خرابيشك، فاتق الله وتُب عن هذه الخرابيش، فما عاد يليق بك ذلك.

رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي ولوالديّ بالمغفرة
(والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون)