متلفز: البيوت داخل الأقصى بين نعمة المكان ونقمة الاحتلال

الأربعاء 23/09/2015
الكاتب: ans ans
  • انشر المقالة

محمد أبو الفيلات- كيوبرس

في المنطقة المجاورة لباب السلسلة من داخل ساحات المسجد الأقصى المبارك، يقابلك باب كبير جميل يأخذك بسحره إلى الفن المعماري في الفترة المملوكية. واذا دخلته وصعدت سلالمه الضيقة، تصل إلى بيت يعود بتاريخه إلى مئات السنين، تفتح لك أم غسان عباس باب بيتها الحديدي الذي وضعته حديثا؛ لتحمي نفسها من جنود الاحتلال المتربصين بعائلتها وبيتها، وتجلسك خلف شباك يجمع لك العالم بأسره بقبة ذهبية متلألئة.

تجاعيد الحاجة أم غسان الثمانينية تروي حكاية جمعت بين متناقضات كثيرة الرابط بينها جميعا المسجد الأقصى المبارك، فمنذ احتلاله من قبل الاسرائيليين عام 1967 بدأت الاضطرابات تحل به وبساكنيه، نتيجة لمطامع الاحتلال المتزايدة.

قبل ارتشافها للشاي الذي أتت به ضيوفها تحمله، ترسم على وجهها ابتسامة تشعر الناظر إليها وكأنها تملك العالم، فموقع بيتها واطلالته على المسجد الأقصى المبارك يمنحها قوة وسعادة تجعل كل من يراها يتمنى لو كان مكانها.

” الحياة جميلة وأجمل ما فيها بيتي” بهذه الكلمات تلخص أم غسان 80 عاما من الحياة، فهي ترى أن استيقاظها صباحا ونظرها إلى المسجد الأقصى المبارك من نافذة غرفتها كفيل أن ينسيها هموم الدنيا.

تزوجت أم غسان وهي في عمر 16 عاما ومنذ ذلك الوقت إلى اليوم تسكن في بيتها الذي يعد المسجد الأقصى المبارك مدخلا له، فارتبطت مع البيت والمسجد الأقصى ارتباطا روحيا ووجدانيا حتى أصبحا جزء لا يمكن فصله عنها، فتقول: ” لا أستطيع العيش إلا في هذا المنزل، ولا أتمكن من النوم إلا اذا كان أمامي مشهد قبة الصخرة، فعندما أقوم بزيارة منازل أولادي الذين يقطنون خارج البلدة القديمة لا أستطيع تلبية دعوتهم بالنوم عندهم، فأنا أشعر بأن بيتي يناديني”.

رغم جمال السكن في المسجد الأقصى المبارك، إلا أن الاحتلال يحاول دائما التنغيص على الساكنين فيه، فيحرم العائلات الخمسة التي تسكن فيه من أبسط حقوقهم والتي تتمثل بحرية التنقل والحركة أو احضار مستلزمات المنزل، فقوات الاحتلال تغلق أبواب المسجد الأقصى المبارك بعد صلاة العشاء مما يمنع سكان هذه البيوت من الخروج أو العودة إلى منازلهم.

” لا أذكر بأنني خرجت من منزلي بعد صلاة العشاء طيلة حياتي، فموضوع الخروج من المسجد الأقصى المبارك بعد اغلاق قوات الاحتلال لأبوابه هو أمر مستحيل” قال الكهل مصعب عباس نجل الحاجة أم غسان.

ولا يختلف الأمر كثيرا في الدخول إلى البيت إلا أنه يمكنك التنسيق مع شرطة الاحتلال لدخول بيتك بعد اغلاق بوابات الأقصى ولكن يتطلب ذلك الأمر ساعات طويلة.

ولا يقتصر منع الاحتلال أصحاب البيوت من الدخول إلى منازلهم فهو يحدد أيضا كمية الطعام التي يمكن لهم ادخالها إلى بيوتهم، ” نعاني كثيرا عندما نريد احضار مأونة البيت فيمنعنا الاحتلال من احضار كمية الأكل التي نريد، فتضطر أمي إذا أرادت عمل دعوة للأهل على الطعام أن تبدأ بشراء متطلبات الدعوة من قبل أسبوعين تقريبا، حتى تستطيع احضارهن على دفعات” قال مصعب عباس.

وكذلك يتطلب ادخال أنبوبة الغاز إلى منزلهم تنسيقا طويلا ليتمكنوا من استبدال أنبوبة فارغة بأخرى مليئة، ومن ناحية تمكنهم من إصلاح أي يعطل يحصل داخل المنزل سواء في شبكة الكهرباء أو الماء أو الهاتف فالأمر هنا يكون أصعب فلا يستطيع أي فني ادخال أدواته التي يستخدمها في التصليح معه إلى منزلهم إلا بعد التنسيق الذي يستغرق في غالب الأحيان أيام لتحقيقه.

كان مصعب عباس إذا تأخر في عمله لبعد صلاة العشاء، يسلك طريق القفز عن أسطحة منازل البلدة القديمة ليصل بيته وينام في سريره، لكن قيام قوات الاحتلال بوضع أسلاك شائكة على منازل الرواق الغربي والشمالي للمسجد الأقصى المبارك يحول الان دون ذلك، فيضطر إلى المبيت خارج منزله في الأوقات التي يأخره عمله إلى ما بعد صلاة العشاء والتي تنتهي مبكرا جدا في فصل الشتاء، فتؤصد أبواب الأقصى في الساعة السابعة مساء.

اغلاقات الاحتلال ومنعه لسكان المسجد الأقصى من الدخول لا تقتصر على اغلاقه بعد صلاة العشاء فعندما يحدد الاحتلال سنا لدخول الاقصى يمنع أيضا سكانه من الدخول إليه فالحواجز التي تنتشر في الطرقات المؤدية إلى المسجد لا يسمح جنودها للسكان بقطعها.

وعندما يقتحم جنود الاحتلال المسجد مدججين بالسلاح لحماية المستوطنين والعراك مع المعتكفين، يمنعون بدورهم سكان المسجد الأقصى من الخروج منه إلى أعمالهم إلا بعد إنتهائهم من الاقتحام، فتزيد ويلات العائلة، فحزنهم على اقتحام الأقصى يكون مضاعفا كونهم يكونون هم أيضا في سجن، ” عندما أرى المسجد الأقصى يقتحم من قبل جنود الاحتلال والمستوطنين أشعر بالغيظ والقهر، وينتابني شعود بأنهم مجردين من الانسانية فهم يدنسون أطهر بقعة في فلسطين بالنسبة للمسلمين ويأخذون باستعراض عضلاتهم على المصلين العزل” قال مصعب عباس.

ولا يكتف جنود الاحتلال باقتحام ساحات المسجد الأقصى، فيعتلون سطح منزل عباس مما يقلق العائلة كثيرا، ” دائما ما اجدهم أمام باب بيتي أو على السطح متذرعين بالمحافظة على الأمن رغم أن وجودهم في المنطقة هو ما يزعزم أمنها” قالت أم غسان عباس.

رغم المعاناة التي تعيش فيها العائلة إلا أن حب منزلهم والمسجد الأقصى يرافقهم أينما توجهوا، فلؤي عباس النجل الثاني لأم غسان كان يغلق باب غرفته عليه عندما سافر إلى جزيرة قبرص للتعلم فيها ويشرع بالبكاء وهو يحمل صورة قبة الصخرة التي لطالما كان يشاهدها من شباك غرفته ويصلي فيها غالبية صلواته.

فلؤي كبر وترعرع في ساحات المسجد الأقصى المبارك، وعاش مع المسجد فرحاته ونكباته، ” سكني القريب جدا من المسجد الأقصى المبارك جعلني أنصهر مع المسجد لنكون وكأننا جسد واحد لا يمكن فصله”.

عندما سجن الاحتلال لؤي عباس سجنا منزليا بعد أحداث حصلت في المسجد الأقصى المبارك، وحرمه من النزول إلى ساحات المسجد الأقصى والتي تعد أيضا ساحات بيته، شعر وكأن شيئا ثمينا سلب منه وأخذ يلتصق في نافذة بيته المطلة على المسجد لتعوضه ما فقده.

السكن في المسجد الأقصى المبارك يلخص حياة المقدسيين ككل، فقرب ساكن المسجد من نقطة مركزية في الصراع (المسجد الأقصى المبارك) يجعله يجمع كل معاناة المقدسيين في شخصه.