نتنياهو يستثمر نقوش الأواني الفخارية في “خربة قيافة” لتمرير الرواية التلمودية

الأحد 28/06/2015
الكاتب: saher saher
  • انشر المقالة

تقرير: محمود أبو عطا /”كيوبرس”

لا تألوا المؤسسة الإسرائيلية وأذرعها جهدا باستثمار ما تدعيه من مكتشفات وموجودات أثرية وتنسبه الى ما تُطلق عليه اصطلاح فترة الهيكل الأول أو الثاني المزعومين، وخاصة فترة النبي داوود، لتمرير الرواية التلمودية حول القدس خصوصا وأرض فلسطين عموماً، علماً أن من علماء الآثار الإسرائيليين من يرفض ويشكك بنسب مثل هذه المكتشفات الى وجود مملكة باسم مملكة داوود.

وكثر الكلام في السنوات الأخيرة حول حفريات إسرائيلية أجرتها ما يسمى بـ “سلطة الآثار الإسرائيلية” في خربة “قيافة” البعيدة 30 كلم جنوب غرب القدس، وتحديدا على تلة مرتفعة تطل على السهل الفلسطيني الواقع بين الخليل والقدس، على ارتفاع 325 فوق مستوى البحر، ضمن أراض قرية زكريا المهجرة عام 1948 م-تقع بين أراضي الخليل والقدس -، الخرائط العربية من سنة 1880 تذكر خربة قيافة، وكذلك خرائط بريطانية (kiafa).

حيث زعم أثريون إسرائيليون كشفهم عن حصن قديم وأطلقوا عليه “قصر النبي داوود”، وحاولوا بذلك الاستدلال على أن داوود شكل مملكة واسعة مترامية الأطراف في منطقة القدس والخليل. ولتكريس مثل هذه الروايات أعلن قبل عامين عن مخطط يعتبر الموقع حديقة قومية إسرائيلية، كما شُمل موقع “قيافة” في المخطط الحكومي المسمى بـ ” ترميم وتقوية التراث القومي اليهودي” عام 2009/2010 وكذلك في مخطط “علامات على الطرق” من عام 2013.

وقبل أسبوعين أعلنت “سلطة الآثار الاسرائيلية” عن كشفها لنقش نادر ادعت أنه من فترة الهيكل الأول المزعوم، وذلك بعد أن قاموا بتجميع قطع متناثرة من إيوان فخاري وجد عام 2012 في حفريات قيافة زعموا أن عمره ثلاث آلاف سنة، وذكروا أن النقش المذكور كتب بالأحرف الكنعانية القديمة، ( إشبعل بن بدع) .

وبعد أسبوع من نشر هذا الخبر قام رئيس الحكومة الاسرائيلية “نتنياهو” باستقبال كل من “يوسف جرفيكل” و”سعر جنور” والذين حفروا في “قيافة” بالتعاون مع “سلطة الآثار” على مواسم امتدت بين سنوات 2007-2013، وباجتماع احتفالي قال نتنياهو: “نتحدث عن مكتشف مدهش عمره ثلاث آلاف سنة، ومكتشف مهم جدا، يشكل شاهد على ما حدث في هذه البلاد في أيام الملك داوود” – على حد قوله -. علماً أنه تعمّد نفس التصرف مع “إيلات مزار” أواخر عام 2013 عندما ادعت عثورها على ميدالية تاريخية ذهبية، عليها شعار الشمعدان، تعود لـ “فترة الهيكل الثاني” المزعوم، خلال حفرياتها في منطقة جنوب المسجد الأقصى، منطقة قصور الخلافة الأموية.

ويحاول أثريون اسرائيليون جاهدين منذ عشرات السنين الملائمة والمقاربة بين ما هو موجود في “التاناخ” وأسفارها، وبين الموجودات الأثرية التي يزعمون العثور عليها ونسبها الى فترة “التاناخ”، وهو ما حدث في هذا السياق عندما تم الحفر في خربة “قيافة”، إذ ادعى الأثريون الاسرائيليون وجود مدينة توراتية من عصر الهيكل الأول المزعوم، تضمنت قصرا مشيدا للملك داوود-حسب قولهم-.

هذا الادعاء يرفضه أثريون اسرائيليون معروفون ومن أبرزهم البروفيسور ” اسرائيل فنكشتاين” وزملاءه الباحثين من جامعة تل أبيب ، – أمثال إيلي فياستسكي – الذين نشروا أكثر من دراسة اثرية يؤكدون فيها عدم وجود مملكة داوود المتحدة ، وأن مملكة داوود إن وجدت فإنها عبارة عن كيان صغير تركز في مدينة القدس ، كما يبدي هؤلاء ملاحظاتهم وتشكيكهم في نسب الموجودات الأثرية الى داوود أو فترته، ويذكرون انها موجودات أثرية كنعانية او فلسطينية، وهذا ينطبق أيضا على الموجودات الأخيرة والنقوش في “خربة قيافة” ، كما أن الباحث في الخط العبري القديم ” جدعون تسور” ينفي ان تكون الاحرف التي وجدت على نقش الأوان الفخرية في “قيافة” باللغة العبرية ، ويتحفظ على نسب الموجودات الى فترة مملكة داوود .

ويقول منتقدون لنسب هذه الآثار لمملكة داوود الموحدة إن الموقع لممالك أخرى سادت المنطقة، وبالذات الكنعانيين والفلسطينيين، ويجمع علماء أنه لم يعثر على دليل مادي قاطع على وجود الملك داوود.

من جهته قال الأستاذ عبد الرازق متاني – الباحث في مجال الآثار الإسلامية ومدير وحدة دراسة الآثار الإسلامية في “مؤسسة الأقصى للوقف والتراث” تعقيبا على هذا الموضوع بقوله : “تطل علينا المؤسسة الاسرائيلية بين الفينة والأخرى بادعاءات تحاول من خلالها فرض الرواية التوراتية على الموروث الثقافي والاثري الإسلامي والعربي والفلسطيني في البلاد الأمر الذي لا يقبله العلم ولا المنطق بل وبتنا نسمع الكثير من الاصوات المتعالية لدى بعض الباحثين المنادين بالتصدي لهذا التسييس للعلم والبحث المجند وغير الموضوعي، مطالبين بفصل العلم عن السياسة وبحث الاثار بموضوعية، خصوصا ان حجم الحفريات الأثرية المقامة في ارض فلسطين يؤكد بطلان الرواية التوراتية – الصهيونية التي اعتبرت ضرورة من ضروريات بناء هوية الدولة اليهودية في حينه، اما الان وبعد ان اصبحت الدولة اليهودية أمر واقع بنظرهم، فلا يمكن المزايدة عليه، فلا ضير في ان يتم البحث الموضوعي وتجاوز هذه الروايات المصنعة والمجندة لخدمة البحث العلمي الموضوعي”.

وتابع الأستاذ متاني :” اما بخصوص خربة ” قيافة” تحديدا ومن خلال اطلاعي على نتائج الحفريات والردود عليها يمكن اعتبارها حفريات “توراتية” من الدرجة الاولى، بمعنى ان الحفارين في الخربة يتبنون الرواية التوراتية بمفهومها التقليدي، ويظهر جليا محاولاتهم لفرضها على أرض الواقع، في حين نفى العديد من علماء الاثار هذه الادعاءات ، كذلك الامر بخصوص الكتابات التي زعم الباحثون بأنها كتابات عبرية، فقد نفى مختصون في الكتابات بأن تكون هذه الكتابات عبرية، عوضا على أنه ولو كانت حقا كتابات عبرية قديمة بحسب زعمهم، فلا يمكن فرض رواية توراتية مزعومة واسقاطها على الموقع وفق بعض النقوشات التي لا تصل لجملة مفيدة وتصويرها على انها الاكتشاف والدليل العظيم المنتظر، والذي يؤكد مزاعمهم الأمر الذي يؤكد ضعف روايتهم وبطلانها” .