هل نــــــحن أمام صراع ديني؟…

الجمعة 16/10/2015
الكاتب: saher saher
  • انشر المقالة
 ابراهيم خطيب – طالب دكتوراة في العلوم السياسية في جامعة هومبولدت – برلين،المانيا

 يبدو أن التساؤل الدائم بخصوص الصراع العربي الاسرائيلي هل نحن امام صراع ديني ام لا.. سيبقى مطروحا ويغذّيه تصريحات المسؤولين السياسيين الذين باتوا يبدون تخوفهم  من أن ينجر الموقف لصراع ديني ..أو تصريح اخرين بأننا بالفعل في خضم هذا الصراع.تكمن الحاجة المعرفية لتوضيح معنى هذا الاصطلاح في خضم هذه الطروحات  ومن ثم التساؤل عن وجوده على الارض أم لا. فما هو الصراع الديني.. ؟

الصراع الديني: “هو الصراع الذي يكون فيه الدين بمثابة الأساس لطموحات سياسية\ لسياسة مجموعة معينة“.كما أنه، وفقاً تعريف اضافي وشارح، هو ذلك الصراع الذي يستجيب لواحدة من هذه المعايير”: 1- صراع بين مجموعات تتبع ديانات مختلفة….  2- صراع بين مجموعات من الطوائف من نفس الدين مثال الكاثوليك والبروتستانت.… 3-  القضايا في الصراع تشمل (ولكن ليست مقتصرة) على قضايا دينية مهمة مثال سياسية الدولة اتجاه الدين أو دور الدين في النظام ناهيك عن قضايا دينية مهمة يقع حولها الصراع” وفق (فوكس، 2004;2011).


وبالرجوع للقضية الفلسطينية لا يمكن إغفال أن الصراع الديني موجود في ذهنية وايدلوجية أطراف الصراع، ناهيك عن ترجمته على الارض وعلى واقع الحال، فضلاً عن واقع المقال، في الصراع بين المجموعات المشاركة فيه، بما لا ينفي أن الصراع كذلك يملك صفات ومعايير أخرى تجعل تعريفه بالصراع القومي او حتى المادي كناتج استعماري إحلالي وإن كان بنسب مختلفة هي تعريفات صحيحة أيضا.

تكمن برأيي نقطة الانطلاق في تصنيف الصراع ليس فقط بحلّته الموضوعية التي يلبسها الصراع  من خلال التصنيفات العلمية إنما بالنظرة والتصور الشخصي للصراع بخلفياته ومآلاته ، وهنا يكون أقل أهمية، الشكل الموضوعي للصراع وفق التعريفات السابقة، وتتقدم في الاهمية نظرة الناس وتصنيفها للصراع ورؤيتها له، بمعنى اخر النظرة الفردية أو حتى الجمعية بغض النظر عن صدقيتها هي التي تلعب الدور الهام في تصرف الناس وتعاملهم مع الصراع.

وفي الحديث عن التعريف الموضوعي، سأحاول في الاسطر القليلة القادمة تبيين وشرح وجهات النظر المختلفة حول الصراع وتشابكها وخلفياتها.

لا يمكن نفي أن الصراع العربي الاسرائيلي ذو ملامح دينية حيث أن الحديث في التصور الاسلامي يدور حول أرض للمسلمين، وتعتبر وقفية عند عدد من العلماء، قام محتل باغتصابها من المسلمين ويجب على المسلمين الدفاع عنها والجهاد في سبيل تحريرها مع ما تحمله الارض من مكانة دينية بوجود المسجد الاقصى المبارك الذي هو اية في كتاب الله وملك لكل المسلمين باختلاف قومياتهم وإثنياتهم ، وادعاء اليهود بالمقابل بفكرهم الديني أن هذه الارض لهم كأرضٍ للميعاد ناهيك عن أن الاقصى هو هيكلهم. بالتالي ووفقاً لما سبق يكمن التعريف الديني للصراع، وإذا ما كان التخوف من تسمية الصراع بالديني لكي لا يكون الصراع بين اليهود والمسلمين كمجموعات دينية ولمجرد انتمائها لهذا الدين، فهو ادعاء منزوع من سياقه لكون المسلمين تعايشوا مع اليهود والنصارى ولم يعادوهم دينياً ،  وتكمن المعاداة الان لليهود- الصهاينة لكونهم محتلين معتدين وليس لأنهم يهود الديانة.

بالمقابل يرى دعاة النظرة القومية للصراع، أنَّ ما يدور الأن هو صراع قومي إذ وفق منظور النظريات الحديثة للقومية ، فأنَّ  المجموعة القومية  هي تلكم المجموعة ذات الخلفية الثقافية واللغة والتاريخ المشترك وأحياناً الدين كسمة شخصية ، والتي تقطن أرض معينة، أو المجموعات القومية المتخيّلة وفق أندرسون (1991) (التي ترى أن هناك ما يجمعها مع الاخرين وتؤمن بذلك وتكوّن بذاتها مجموعة مشتركة واحدة). بناء على التعريف السابق فإن المجموعة التي تصارع وفق هذا السياق ضد مجموعة قومية أخرى على أساس مطامح قومية لكل منها، تقع في صراع قومي. وفي هذا السياق ترى المجموعة القومية العربية (أو المجموعة القومية المحلية، الفلسطينية، في هذه الحالة) أن فلسطين أرض عربية تتبع للأمة العربية والصراع على فلسطين هو بين مجموعتين قوميتين كل منها تتدعي أن هذه الارض هي موطنها.

الصراع المادي فهو ” صراع على موارد تتحارب عليه المجموعات المختلفة ويكون الحاكم فيه تحصيل فائدة وجني تفوق مادي يشمل الموارد” . وهنا تكمن نقاط الالتقاء بين الصراع المادي والاستعمار الذي كان يسعى لاغتنام واستغلال موارد الدول المحتلة. وهنا تقع فلسطين كأرض السمن والعسل وطريق التجارة للمشرق ويقع الصراع الفلسطيني او العربي الاسرائيلي كصراع مادي كما صنفه الباحث الان داوتي (2007).

لا شك أن القضية الفلسطينية تحمل سمات كل هذه الصراعات انفة الذكر، ويبقى التساؤل أيها هو التصنيف والنظرة المسيّرة للصراع وصاحبة الحظوة في تعامل الناس معه. وهنا تكمن عدة متغيرات ممكن أن تؤثر على نظرة الناس للصراع، ومنها خلفيتهم الايدلوجية (اسلامي، قومي وغيره) ناهيك عن مستوى التدين الذي يحمله الناس ناهيك عن نظرتهم لماضي ومستقبل القضية، إضافة للرمزية والمكانة التي تحملها قضايا الصراع المختلفة ومتغيرات اخرى.

أخيراً، ليس من العيب إقرار أن هناك صراع ديني على الاقل كما تظهر بعض التعريفات العلمية، ومجدداً العداء ليس بسبب الانتماء الديني إنما للتصرف الديني والاعتداء والمآرب ” الدينية” الكامنة في أغوار هذا الصراع ، كما أنه لا يمكن أن ننفي أن مجموعة أخرى من العرب والفلسطينيين ترى بالصراع صراع قومي على أرضٍ عربية سليبة لشعب عربي فلسطيني، كما أنه صراع فيه من المادة والاستعمارية ما فيه، أما التساؤل ما هو التصنيف الغالب والاقوى.. فهذا يعود لتطور الصراع، أطرافه، القضايا المركزية فيه، محفزات المشاركة فيه والاهم هو النظرة والتصور الغالب الذي يملكه الافراد المشاركون في هذا الصراع .

في المحصلة الجميع متفق على عدم مشروعية وجود الاحتلال (بغض النظر عن نظرتهم للصراع)، وبالتالي على الجميع في هذه المرحلة التوحّد للتصدي له،  متعالين عن انتماءاتهم المختلفة وخلافاتهم.