يا أقصى

الجمعة 16/10/2015
الكاتب: saher saher
  • انشر المقالة
الشيخ رائد صلاح -رئيس الحركة الاسلامية في الداخل

يا أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين، ويا شقيق المسجد الحرام والمسجد النبوي، ويا آية في القرآن الكريم، ومعلما في طريقنا إلى الله تعالى خصّه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرات الأحاديث، ويا تاجا على رأس حضارتنا الإسلامية العربية، ونجما زاهرا في تاريخنا الإسلامي العربي وحاضرنا ومستقبلنا، ويا رافعة همة ومُوَلد عزيمة وباعث إرادة كان ولا يزال منذ عشرات القرون يوقظنا من نومنا، وينبهنا من غفوتنا، وينهضنا من عثرتنا، ويقيمنا من كبوتنا، ويحررنا من إحباطنا، ويا بدرا منيرا في سماء أمتنا، وفي سماء شامنا، وفي سماء قدسنا، كان ولا يزال يمدنا بالأمل، ويجدد فينا التفاؤل ويغذينا بالثبات ويسقينا الإقدام ويغيثنا باليقين، ويا محراب نور ساطع لا يخبو احتضن كل الأنبياء، واستضاف ملايين الأولياء، وشَيَّعَ قوافل الفائزين، وآوى نوابغ العلماء، وأجار الزاهدين والعارفين والعابدين والمعتكفين والمرابطين وأصحاب العيون الساهرة في الليل والنهار، ويا جسر العبور من الموت إلى الخلود، ومن الدنيا إلى الآخرة، ومن التضحيات إلى الجنات، ومن العذاب إلى الثواب، ومن برق الحراب إلى طيب الشراب، ومن الثغور إلى الحور والقصور، ومن الغبار إلى الأنهار، ومن الدماء إلى الهناء، ومن الهموم والغموم إلى الرحيق المختوم، ومن العبء الثقيل إلى الظل الظليل.

يا أقصى أنت أنت، ولا زلت كما أنت، لا يعمر فيك ظالم، ولا يخلد فيك مستعمر، ولا يطمئن فيك محتل. ولا زلت الكرباج على ظهر كل محتل، والسوط على أبدانهم، والعصا على أدبارهم، والدرة فوق رؤوسهم، والحبل حول أيديهم وأرجلهم وأعناقهم، ولا زلت الجبل الأشم الذي لا تزال تتحطم على سفوحه زحوف جيوشهم، وصعاليك مرتزقتهم، وغرور أوهامهم، وغباوة أحلامهم، وزخرف قوتهم، وقبح وعيدهم، وشر تهديدهم، وسوء مخططاتهم، وخبث مؤامراتهم، وكبر مكرهم، وعلو كيدهم، وحقد ظنونهم، وعدوانية إفسادهم، وسطوة علوهم، واستكبار جمعهم، وبطش معسكرهم. ولأنك كذلك فأنت الذي لما سألناك: ماذا حل بالصليبيين، الذين دفعهم عددهم وعتادهم إلى أن يزحفوا إليك من خلف البحار غزاة بغاة عتاة؟! قلت لنا: صالوا في رحابي وفي أكنافي قرابة التسعين عاما فزالوا وبقيت أنا المسجد الأقصى…

وأنت الذي لما سألناك: ماذا حل بالتتار الذين سالوا نحوك نهرا من البشر يرومون طمس اسمك ورسمك ووزنك وقدرك؟! قلت لنا: صالوا حولي ورموا أرضي وسمائي برماحهم ونشابهم، وقطعوا تيني بسيوفهم، وطعنوا زيتوني بخناجرهم، فزالوا وبقيت أنا المسجد الأقصى!!

وأنت الذي سنسألك عما قريب: ماذا حل بالاحتلال الاسرائيلي؟! فستقول لنا: صال فوق ترابي بدباباته، وحَلَّق في فضائي بطائراته، وغرز في خاصرتي سجونا، ونثر على أحبابي منونا، واستباح طهري وخيري، وطغى في البلاد وأكثر فيها الفساد، وسعى محموما يهلك الحرث والنسل، وصاح صيحة مغرور غبي ومتكبر عتيّ وقال: من أشد مني قوة؟! وأنا الذي أحيي وأميت وأطعم وأُجَوِع وأسقي من أشاء، وأحبس الماء عمن أشاء، وأعلي وأخفض وأرفع وأخسف، فزال بغتة من حيث لم يحتسب، وبقيت أنا المسجد الأقصى!!

وكذلك لأنك كذلك فأنت الذي لما سألناك عن “أرناط” الصليبي، الذي أعلن الحرب عليك من قلب أوروبا، وأجلب بخيله وخيلائه عليك في حملة صليبية إرهابية قلت لنا: زال أرناط الصليبي وبقيت أنا المسجد الأقصى!!

ولما سألناك عن هولاكو التتري، الذي واصل يؤزُّ جنوده المسربلين بالحديد أزًّا نحوك، بعد أن دمر بغداد عاصمة الدنيا يومها واهما ذاك الجواظ العُتّل أن يطفئ أنوارك، ويخرس صوت مؤذنك، ويذبح إمامك على عتبات منبرك؛ قلت لنا: كان هولاكو التتري يمشي منتفشا فوق الأرض كالطاووس ذات يوم فابتلعه التراب وسارت تدوسه الأقدام، وبقيت أنا المسجد الأقصى!!

ولما سألناك عن اللورد اللّنبي، الذي استقوى بشره ومكره وجوره ووزره، لما أمسى على أعتابك عندما تسلل محتلا عبر أبواب القدس إليك وصرخ، وهو ينفث نار أحقاده كتنين الأساطير: الآن انتهت الحروب الصليبية؛ لما سألناك عنه قلت لنا: ظن اللورد اللنبي أنه سيُغَوِّر حصن بنائي في عمق الأرض لأصبح أثرا بعد عين، فغار بلحمه وشحمه وعظمه تحت طبقات الأرض غير مأسوف عليه، وبقيت أنا المسجد الأقصى!!

وأنت الذي سنسألك عما قريب: ماذا حلَّ بـ”رابين” الذي احتلك عام 1967م؟! وماذا حلَّ بـ”شارون” الذي اقتحم عليك بركتك وسكينتك ووقارك في عام 2000م؟! وماذا حلَّ بـ”نتنياهو” الذي استكبر نفسه واستصغرك، وظن أنه قادر على فرض التقسيم الزماني وتوابعه عليك في عام 2015م؛ سنسألك عنهم وستقول لنا: ابتلعهم التاريخ وأطاح بأحلامهم السوداء وأوهامهم المريضة، وبقيت أنا المسجد الأقصى!!

ليس غريبا كل ذلك عليك، فأنت يا أقصى أنت.. الذي تَشَرَّف ثراك وقَّبَّل جبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء، عندما سجد في صلاته إماما على ثراك، وسجد من خلفه كل نبي ورسول بعثهم الله تعالى!!
وأنت الذي تشرَّفت أبوابك وتفتّحت كما تتفتح الأزهار ترحابا بالفاتح المظفر الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه!!
وأنت الذي تشَّرف كل حجر فيك، وبات يزغرد بلحن النصر وكلمات التمكين استقبالا للناصر المحرر والسلطان المكبر صلاح الدين الأيوبي!!
وأنت الذي تَشَرَفَتْ مآذنك عندما اشرأبت تنظر بإعجاب وإكبار إلى السلطان قطز وهو يذود أعداءك الأجلاف عنك كما يذود أحدنا رقطاء سامة عن رضيعه الحبيب.
وأنت الذي تمازج نسيمك العليل بريح مسك الدماء التي سالت من شهداء وجرحى حطين وعين – جالوت، وتمازج ماء طَّلِكَ الشفاف بدموع الداعين المتضرعين إلى الله تعالى بعد كل صلاة فجر في قبابك الخاشعة الوقور!! وتمازج مدرار سحائب غيثك مع مدرار عيون آلاف العابدين، الذين ذكروا الله تعالى خالين ففاضت تروي مصاطبك بالحب الإلهي وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم!!
وأنت الملاذ كلما هبت رياح الفتنة!!
وأنت قلعة الطائفة المنصورة الظاهرة على الحق، القاهرة لعدوها، والتي لن يضرها من خالفها أو خذلها حتى يأتي أمر الله!!
وأنت مشكاة نور الإيمان والتوحيد والحق والحرية وستظل كذلك كالشمس ترسل أشعتها، وكالبدر يجود بنوره، مهما أحاط بك من ظلمات ظالم أو محتل أو مستعمر أو غاصب أو قاطع طريق، فلك الحمد يا الله على أن أنعم علينا بك يا أقصى، والصلاة والسلام على رسول الله الذي عقد لنا توأمة لا تنفصل بينك يا أقصى وبين المسجد الحرام والمسجد النبوي؛ عندما قال لنا: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى”.
وحتى نلتقي؛ سلام وألف سلام لك يا أقصى..